ابن حجة الحموي

113

خزانة الأدب وغاية الأرب

ما ينكر عليه فيه بسببه ويتوجه عليه المؤاخذة فإذا حصل الإنكار عليه استحضر بحذقه وجها من الوجوه التي يمكن التخلص بها من تلك المؤاخذة إما بتحريف كلمة أو تصحيفها أو بزيادة أو نقص أو غير ذلك فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف فقول عتبان الحروز وإن يك منك كان مروان وابنه * وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا حصين والبطين وقعنب * ومنا أمير المؤمنين شبيب فلما بلغ الشعر هشاماً وظفر به قال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب فقال يا أمير المؤمنين ما قلت إلا ومنا أمير المؤمنين شبيب فتخلص بفتح الراء بعد ضمها وهذا ألطف مواربة وقعت في هذا الباب وشاهد الحذف قول أبي نواس في خالصة جارية أمير المؤمنين الرشيد هاجيا لها لقد ضاع شعري على بابكم * كما ضاع حلي على خالصه فلما بلغ الرشيد ذلك أنكر عليه وتهدده بسببه فقال لم أقل إلا لقد ضاء شعري علي بابكم * كما ضاء حلي علي خالصه فاستحسن الرشيد مواربته وقال بعض من حضر هذا بيت قلعت عيناه فأبصر وشاهد التصحيف في المواربة يأتي في أبيات البديعيات ويعجبني قول الشيخ عز الدين الموصلي في المواربة من غير البديعية لما بلغه وفاة القاضي فتح الدين بن الشهيد وكان القاضي فتح الدين يرجح جانب الشيخ شمس الدين المزين على الشيخ عز الدين لبغض كان في خاطره لا لاستحقاق دمشق قالت لنا مقالا * معناه في ذا الزمان بين اندمل الجرح واستراحت * ذاتي من الفتح والمزين وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته لأنت عندي أخص الناس منزلة * إذ كنت أقدرهم عندي على السلم المواربة في أخص يريد بها أخس بالسين المهملة وأقدرهم يريد بها أقذرهم بالذال المعجمة والمواربة في أقدرهم بالتصحيف وهذا النوع لم ينظمه العميان في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي لأنت أفتح ذهنا في مواربة * وبالتعقل منسوب إلى النعم مراد الشيخ بأفتح أقبح وبالتعقل التغفل وقال في شرحه إنه أراد بالنعم النعم وهو اسم جامع للإبل وغيرها وأراد بذلك المواربة بالتحريف أيضا سلمنا له ذلك ولكن لم أر في بيته قبل المواربة معنى يستأنس به الذوق وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على ما تقدم من خطاب العاذل يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا * توارب العقل مني واستفد حكمي قولي للعاذل أنت محبوب لدي من له أدنى ذوق يفهم منه أن مرادي المواربة بمجنون والمراد بلفظة توارب توازن والمعنى قبل المواربة مستقيم وهو في غاية الكمال وإذا حصلت المواربة صار البيت يا عاذلي أنت مجنون لدي فلا * توازن العقل مني واستفد حكمي وأنتقل من صيغة المدح المقبول إلى صيغة الهجو الصريح ذكر الكلام الجامع جمع الكلام إذا لم تغن حكمته * وجوده عند أهل الذوق كالعدم الكلام الجامع هو أن يأتي الشاعر ببيت مشتمل على حكمة أو وعظ أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال ويتمثل الناظم بحكمها أو وعظها أو بحالة تقتضي إجراء المثل كقول زهير بن أبي سلمى ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله * على قومه يستغن عنه ويذمم وقول أبي نواس إذا كان غير الله في عدة الفتى * أتته الرزايا من وجوه الفوائد وقول المتنبي وإذا كانت النفوس كبارا * تعبت في مرادها الأجسام